محمد بن الطيب الباقلاني

200

الإنتصار للقرآن

وبعد ، ما ندري من قال إنهم لم يحفظوا جميع القرآن على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه ولا أحد غيرهم أنّ ما قاله على ما ذكره ، وقد بيّنّا من قبل أنّهم كانوا يحفظون ولا يمارون ولا يتحدّثون بذلك ، ولا يشعر به من أحوالهم ، خوف المدح في الطاعة ، وإيثار الاستسرار بفعل الخير والتقرّب إلى اللّه تعالى ، وإذا كان ذلك كذلك ، وكانت هذه الأخبار التي اعترضوا بها [ 107 ] تحتمل من التأويل ما قد ذكرناه وجب حملها إن صحّت على / موافقة موجب العادة في باب الصحابة والأخبار المشهورة التي قدّمنا ذكرها في حفظ هذه الجماعة وغيرها للقرآن ، وهذا بيّن في زوال الشّبهة بما تعلقوا به . وإن هم قالوا : إن موجب العادة التي وصفتم في أمر الصحابة لأجل سبقهم وجهادهم وحرصهم على نصرة الدين وحفظه والأخذ بمعالمه ، وتقديم الأعظم فالأعظم ، والأهمّ فالأهمّ منه يوجب حفظ جميع الفضلاء الأماثل منهم للقرآن ، وأنّهم لا يتأخّرون عن ذلك لقاطع يصدّهم وأمر يكون التشاغل به أولى وأهمّ من التشاغل بحفظ القرآن . قيل لهم : أجل ، كذلك توجب العادة والحال عندنا في أمرهم . فإن قال : كيف يكون ذلك كذلك وقد روي عن عبد اللّه بن عباس أنه كان يقرئ عبد الرحمن بن عوف « 1 » في خلافة عمر بن الخطّاب ، وعبد الرحمن عندكم من الفضل والسابقة والجهاد والعلم والسّنّ والعناء في الإسلام ولحوقه بالطبقة الأوّلة من الصحابة بالمحلّ المعروف ، وعبد اللّه من حداثة السنّ وقرب العهد بحيث يعرفون ، وقد روى الزّهريّ أنّ عبيد اللّه بن

--> ( 1 ) ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث القرشي الزّهري ، أحد العشرة المبشّرين بالجنة ، أسلم قديما ومناقبه كثيرة ، مات سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل غير ذلك . « التقريب » ( 1 : 585 ) .